أخبار وطنية الــقــلـم الــحــــر: دفاعا عن أصالة اﻹسلام التونسي وضد اﻹسلام السياسي المستورد
بقلم الأستاذ عفيف البوني
كان التونسيون مسلمين منذ الفتح وبقوا كذلك، لم يتشككوا في أنهم مسلمون، سُنّة، بين مالكية وحنفية وإباضية، وهم يحملون الهوية التونسية في اللغة واللهجة وبلباس الرجال الجبة والبدعية والكبوس والبرنوس والكدرون.. وبلباس المرأة الملية في الريف بألوان ومسميات مختلفة، والسفساري وغيره في الحضر.. الغالبية أميون وكلهم مسلمون، يشهدون،يصومون، يصلون، ويحج بعضهم، وبعضهم، يلد مسلما ويشهد وقد ﻻ يؤدّى بكل الفرائض لكنه ﻻ يسرق، ﻻ يكذب ﻻ يزنى، ﻻ ينافق، ﻻ يكفر أحدا، ﻻ يطالب بتطبيق الحدود لعدم شعوره بالمتعة او الحاجة وهو يشاهد الشنق والذبح للمسلمين باسم الرب، أو ان اتهمه مكفر بالكفر وهو لم يشق على قلبه ليكتشف ضميره من الداخل.
كان ذلك هو اﻹسلام التونسي الزيتوني منذ أن كانت الزيتونة والقيروان، وكان اﻹسلام دينا بين المسلم وخالقه فقط، وكان شيوخ الزيتونة من علماء اﻻسلام وانحدر أغلبهم من الحضر أي من البلدية، من مذهبي مالك وأبي حنيفة، واﻵن لم يبق من هذا الصنف من حاملي الفكر واللباس والتسامح الذي يمثل اﻻسلام المحمدي اﻻ نموذج اﻷستاذ عبد الفتاح مورو، وهو الوحيد الذي أعترف له بتسمية او لقب الشيخ في تونس، وكان يجب أن يكون إماما في جامع الزيتونة. قبل وبعد الثورة، لكنه، وهو الزيتوني والحامل لثقافة قانونية ومدنية متينة ، ترفض العنف والتطرف والكراهية، قد يكون، تواجد نشازا او خطأ في إسلام سياسي آخر غريب عن تونس والتونسيين، فبقي يغرد خارج السرب ويتكلم الحكمة خارج الزيتونة، فاحتل مكانه هناك لبعض الوقت، حسين العبيدي المتشيخ، المتعصب الذي ضرب، الأئمة بكفه، وأصدر الحكم بالرضوان اﻹلهي علىمن يرضى عليه هو... وهكذا صار الشيخ مورو يمارس الشأن الديني خارج جامع الزيتونة ويمارس السياسة ليس داخل حزب سياسي، بل داخل حزب اسلام سياسي ﻻ يعترف له بالكفاءة واﻷصالة في فهم الدين وفي فهم السياسة، تماما كما حدث لي في مدارج الجامعة، طلبتي المتحزبون والعاجزون عن كتابة فقرات خالية من اﻻخطاء، ارادوا تعليمي اﻻسلام الصحيح عندهم كما قرؤوه في أدبيات حزبهم نقلا عن صحيح القرضاوي وغيره.
مشهد اﻹسلام التونسي اﻷصيل، يجري مسخه باللباس اﻷفغاني والخطاب اﻻخواني، والحجاب والنقاب اﻹيراني، واﻻرهاب المعولم باسم اﻻسلام، حتى أن الطاهر الحداد في نظر اﻻسلام المستورد وكذلك المجتهد الحبيب بورقيبة، والذي لم يتجاوز ما قال به المستنيرون من شيوخ اﻻسلام غير المسيسين، وقع تكفيرههما، والتكفير كان أمرا شاذا يصدر عن دعي في الدين، فصار اليوم بضاعة مروجة يرتزق بها اﻻسلام السياسي.
يبدو أنه حان اﻷوان لتأسيس جمعية ثقافية تونسية مهمتها الدفاع عن أصالة الهوية التونسية كما كانت قبل التخلجن والتفرس والتأفغن والتأخون والتوهبن والتشيع في مستوى المظاهر واﻷزياء الطائفية غير التونسية ما قبل أربعينات القرن 20م، والدفاع عن أصالة اﻹسلام التونسي أي التونسي كما كان يعتنقه ويحياه التونسيون من الحضر والبدو، من علماء الزيتونة ومن اﻷميين، وقد رضوا وتوافقوا منذ العهد الحفصي على اﻻسلام دينا للأفراد وليس دينا للدولة، حيث حصل إجماع صامت على عدم تطبيق الحدود. حين كانت الهوية التونسية إبداعا تونسيا وليس بضاعة مهربة أو مستوردة،وحين كان اﻹسلام التونسي الزيتوني دينا بين المسلم وربه، لم يكن هناك تكفير وﻻ إرهاب.
اﻹسلام التونسي والهوية التونسية، اﻷصيلان، بهما وبأهداف الثورة وبالعقل العلمي والمعايير والقيم اﻻنسانية الكونية، يمكن إنجاح الديمقراطية والتنمية والحفاظ على استقلال تونس، وﻻ يتأتى ذلك، عبر فهم مغلوط للدين أو للهوية، ومن ﻻ يصدق، عليه أن يبحث في أدبيات اﻻمم المتحدة والقانون الدولي وما يدرس من العلوم في كل جامعات العلم.